الشيخ محمد رشيد رضا
202
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تمثال العجل فصار حيا له خوار وفسروا بهذا ما حكاه اللّه تعالى عنه في سورة طه وسيأتي بيانه في تفسيرها ، ولكن قال بعض هؤلاء ان خواره كان بتأثير دخول الريح في جوفه وخروجها من فيه كقول الآخرين الذين قالوا إنه لم يكن حيا ، والروايات في حياته لا يصح منها شيء ولذلك وقف الحافظ ابن كثير فلم يرجح أحد القولين على الآخر ، وفي تفسير القصة من سورة طه روايات كثيرة من خرافات الإسرائيليات ، فيها ضروب من الكذب والضلالات ، سنعود إليها في تفسير سورة طه ان شاء اللّه وقدر لنا الحياة . قال تعالى في بيان ضلالتهم ، وتقريعهم على جهالتهم ، أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ؟ أي ألم يروا أنه فاقد لما يعرف به الإله الحق ، وخاصة ماله من حق العبادة على الخلق ، بما يكلم به من يختاره منهم لرسالته ، ويعلمه ما يجب أن يعرفوه من صفاته وسبيل عبادته ، كما يكلم رب العالمين رسوله موسى عليه السّلام ، ويهديه سبيل الشريعة التي تتزكى بها أنفسهم ، وتقوم بها مصالحهم ، فعلم بهذا أن من شأن الرب الاله الحق أن يكون متكلما ، وأن يكلم عباده ويهديهم سبيل الرشاد باختصاصه من شاء منهم واعداده لسماع كلامه ، وتلقي وحيه وتبليغ أحكامه ، وفي سورة طه ( أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا ، وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ) فالمراد بالقول هداية الوحي ، والمعنى انه ليس له من صفات الرب الاله هداية الارشاد التي مرجعها صفة الكلام ، ولا الضر والنفع اللذين هما متعلق صفتي القدرة والإرادة . ثم قال تعالى اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ أي اتخذوه وهم يرون انه لا يكلمهم بما فيه صلاحهم ، ولا يهديهم لما فيه رشادهم ، ولا يملك دفع الضر عنهم ، ولا اسداء النفع إليهم ، أي انهم لم يتخذوه عن دليل ولا شبهة دليل ، بل عن تقليد لما رأوا عليه المصريين من عبادة العجل « أبيس » من قبل ، ولما رأوه من العاكفين على أصنام لهم من بعد ، وكانوا ظالمين لأنفسهم بهذا الاتخاذ الجهلي الذي يضرهم ولا ينفعهم بشيء . * * * وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ يقال : سقط في يده وأسقط في يده - بضم أولهما على البناء للمفعول - وكذا بفتح أول الثلاثي على قلة في اللغة